Episode Details

Back to Episodes

غادة عبد العال: مُتّهِمَتُنا في الجنة، ومُتَّهِمَتُكُم في النار!

Published 1 day, 10 hours ago
Description

زمان، قبل ما نتحول كلنا إلى وكلاء نيابة وأطباء نفسيين وخبراء أدلة جنائية بنظام العمل من المنزل، كانت الجريمة واقعة لها متهم وضحية وتحقيق ومحاكمة. دلوقتي الجريمة بقت «وجهة نظر». نفس الفعل ممكن يبقى عندنا جريمة مكتملة الأركان لو المتهم من الفريق الخصم، ويبقى أزمة نفسية تستحق الاحتواء والعلاج لو المتهم من الفريق بتاعنا.

خلال أسابيع قليلة، انشغل الرأي العام بقضيتين بالغتي القسوة. في الأولى، اتُّهمت محامية بقتل والدتها وتقطيع جثمانها. وفي الثانية، اتُّهمت صيدلانية بقتل ابنها، بعدما حاولت خنقه ثم طعنته بالمقص. واقعتان مفزعتان، وضحيتان لا يمكن أن تتحولا إلى مجرد تفصيلة في معركة سياسية أو فكرية. ومع ذلك، كان لجمهور الإنترنت رأي آخر.

ناس قالوا إن بشاعة ما نُسب إلى المحامية دليل في حد ذاته على إنها لا يمكن تكون في حالة نفسية سوية، وبالتالي لا يصح التعامل معها باعتبارها مجرمة عادية. وناس ردت إن المرض النفسي مش كارت «اخرج من السجن مجانًا»، وإن التخطيط ومحاولة إخفاء الجريمة بيدلوا على الإدراك. وفي قضية الصيدلانية، اتكرر تقريبًا نفس النقاش: فريق قال إن لما أم تقتل ابنها ده دليل انها أكيد بتعاني من ذهان أو انهيار أفقدها وعيها، وفريق تمسك بأنها عاقلة ومسؤولة ويجب أن تُحاكم على هذا الأساس.

لحد هنا، الخلاف ممكن يبدو قانونيًا أو طبيًا مشروعًا. المشكلة إنك لو بصيت على أسماء المتعاطفين والغاضبين في القضيتين، هتلاحظ إن البوصلة الطبية عند ناس كتير بتتحرك حسب الهوية السياسية. المحامية معروفة في دوائر العمل المدني، والصيدلانية من خلفية مرتبطة بأوساط الإسلام السياسي؛ وفجأة بقى بعض من طالبوا بالتريث وانتظار التقييم النفسي في القضية الأولى، رافضين أصلًا طرح الاحتمال في الثانية، والعكس صحيح..

بقينا ما بنسألش: هل كانت المتهمة مدركة لطبيعة فعلها وقت ارتكابه؟ لكن بنسأل: هي تبع مين؟ وبعدها نقرر إن متهمتنا في الجنة، ومتهمتكم في النار. 

والحقيقة إن القانون أوضح من بوستاتنا كلها. وجود اضطراب نفسي لا يعفي أي متهم تلقائيًا من المسؤولية. السؤال المحدد هو: هل أفقده الاضطراب الإدراك أو الاختيار وقت ارتكاب الجريمة؟.

الموقف الإنساني والقانوني المتسق بسيط، حتى لو كان صعب على جمهور السوشيال ميديا لازم يكون: إننا بنطالب بتحقيق عادل وتقييم نفسي متخصص للمتهمتين، ونترك تحديد المسؤولية للي يملك الأدوات والملف الكامل. لو أثبت التقييم أن إحداهما كانت فاقدة الإدراك، تُطبق عليها أحكام القانون، أيًا كان انتماؤها. ولو أثبت أنها كانت مدركة ومختارة، تتحمل المسؤولية، أيًا كان عدد أصدقائنا المشتركين معها.

العدالة لا يصح أن تكون زيها زي الألجوريزم، بتعرض لكل واحد الحكم اللي يوافق ميوله. لأننا لو قبلنا ان الجريمة تبقى وجهة نظر، والمرض النفسي يصبح امتياز نمنحه للحلفاء وننزعه من الخصوم، فمش هنكون بندافع عن العدالة ولا عن الصحة النفسية. إحنا فقط هنكون بنمارس التعصب، لكن واحنا لابسين البالطو الأبيض فوق تيشيرت الفريق.

Listen Now

Love PodBriefly?

If you like Podbriefly.com, please consider donating to support the ongoing development.

Support Us