Episode Details
Back to Episodes
أضواء مارفا: الأنوار التي لا تُشرق ولا تغيب
Description
أَضْوَاءُ مَارْفَا: الْأَنْوَارُ الَّتِي لَا تُشْرِقُ وَلَا تَغِيبُ مَرْحَباً بِكُمْ فِي «غُمُوض»، حَيْثُ نَقِفُ كُلَّ مَسَاءٍ عَلَى عَتَبَةِ لُغْزٍ لَمْ تَعْرِفْ لَهُ الْبَشَرِيَّةُ إِجَابَةً وَاحِدَةً... لُغْزٍ حَقِيقِيٍّ، رَآهُ الْآلِفُ مِنَ الْعُيُونِ وَرَصَدَتْهُ الْآلَاتُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَزَالُ يَسْخَرُ مِنْ كُلِّ تَفْسِيرٍ. فِي هَذَا الْمَسَاءِ، سَنَسْرَحُ إِلَى غَرْبِ تَكْسَاسَ، إِلَى بَلْدَةٍ صَغِيرَةٍ تُسَمَّى «مَارْفَا»، تَجْلِسُ عَلَى حَافَةِ صَحْرَاءِ «تَشِيهُوَاهُوَا» قُرْبَ جِبَالِ «شِينَاتِي»، حَيْثُ تُرَافِقُ سَمَاءَهَا، مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ عَامٍ، أَضْوَاءُ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَـَا هِيَ، وَلَا مِنْ أَيِّ عَالَمٍ تَأْتِي. نَبْدَأُ مِنْ عَامِ أَلْفٍ وَثَمَانِمِئَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ. فِي تِلْكَ السَّنَةِ، كَانَ «رُوبِرْت رِيد إِلِيسُون»، فَتًى شَابًّا يَرْعَى الْمَاشِيَةَ، يَعْبُرُ سَهْلَ «مِيتْشِل» لَيْلًا، حِينَ لَاحَظَ كُرَاتٍ مِنْ ضَوْءٍ تَتَأَلَّقُ فَوْقَ الْأُفُقِ الْبَعِيدِ. لَمْ يَكُنْ وَحْدَهُ؛ فَقَدْ سَأَلَ رُفْقَاءَهُ مِنْ رُعَاةِ الْبَقَرِ، فَأَقْرُّوا جَمِيعًا بِأَنَّهُمْ رَأَوْا تِلْكَ الْأَضْوَاءَ مِنْ قَبْلُ. وَهَكَذَا، وُلِدَ لُغْزٌ لَمْ يُغْلِقْ عَيْنَيْهِ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ. مَاذَا تَرَى بِالضَّبْطِ مَنْ يَقِفُ فِي مَكَانِ الرَّصْدِ لَيْلًا؟ تَظْهَرُ الْأَضْوَاءُ عَادَةً بَعْدَ الْمَغِيبِ، كُرَاتٌ وَامِضَةٌ تَتَرَاوَحُ أَلْوَانُهَا بَيْنَ الْأَبْيَضِ وَالْأَصْفَرِ وَالْبُرْتُقَالِيِّ وَالْأَحْمَرِ، بَعْضُهَا يَتَلَأْلَأُ بِلَوْنٍ أَزْرَقَ أَوْ أَخْضَرَ شَاحِبٍ. تَطْفُو مُنْخَفِضَةً قُرْبَ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ بِلَا انْتِظَامٍ: تَنْقَسِمُ إِلَى أَجْزَاءٍ، ثُمَّ تَلْتَحِمُ مَرَّةً أُخْرَى، تَتَقَدَّمُ وَتَنْسَحِبُ، تَخْفِتُ وَتَسْتَعْرِضُ، وَأَحْيَانًا تَتَّجِهُ نَحْوَ النَّاظِرِ كَأَنَّهَا تُرَاقِبُهُ، قَبْلَ أَنْ تَتَلَاشَى فِي اللَّيْلِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ. وَالْأَعْجَبُ أَنَّهَا لَا تُصْدِرُ حَرَارَةً مَحْسُوسَةً، وَلَا يُمْكِنُ الْإِمْسَاكُ بِهَا؛ كُلُّ مَنْ حَاوَلَ الِاقْتِرَابَ مِنْهَا وَجَدَ نَفْسَهُ يَقِفُ أَمَامَ لَا شَيْءَ. لَسْتَ وَحْدَكَ إِذَا شَكَكْتَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَقَبَائِلُ «الْأَبَاتْشِي» وَ«الْكُومَانْشِي»، وَمَنْ سَبَقَهُمْ مِنْ سُكَّانِ هَذِهِ الْأَرْضِ، كَانُوا يَعْرِفُونَ هَذِهِ الْأَضْوَاءَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْمُسْتَوْطِنُونَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، وَكَانُوا يَعُدُّونَهَا نِيرَانَ أَشْبَاحٍ، أَوْ أَرْوَاحَ الْمَوْتَى الَّتِي لَا تَهْدَأُ فَوْقَ السَّهْلِ. وَلَكِنَّ مَارْفَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خُرَافَةٍ قَبَلِيَّةٍ؛ فَقَدْ رَصَدَ الْأَضْوَاءَ طِيَارُونَ، وَضُبَّاطُ شُرْطَةٍ، وَعُلَمَاءُ فِيزْيَاءِ الْأَرْضِ، وَآلِافُ الْمُشَاهِدِينَ الْعَادِيِّينَ عَبْرَ عُقُودٍ. حَتَّى وِلَايَةُ تَكْسَاسَ نَفْسُهَا أَقَامَتْ، فِي ثَمَانِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، مَرْكَزَ مُشَاهَدَةٍ رَسْمِيًّا عَلَى الطَّرِيقِ السَّرِيعِ رَقْمَ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ، وَضَعَتْ عَلَيْهِ لَوْحَةً تَدْعُو الْمُسَافِرِينَ لِتَرَقُّبِ «أَضْوَاءِ مَارْفَا». وَمَاذَا قَالَ الْعِلْمُ؟ هَذَا هُوَ حَيْثُ تَلْتَبِسُ الْأُمُورُ. فِي دِرَاسَةٍ نُشِرَتْ عَامَ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِيَةٍ، اسْتَخْدَمَ فَرِيقٌ مِنَ الْبَاحِثِينَ آلَاتِ رَصْدٍ دَقِيقَةً، وَخَلَصُوا إِلَى أَنَّ أَكْثَرَ تِلْكَ الْأَضْوَاءِ لَيْسَتْ إِلَّا أَنْوَارَ سَيَّارَاتٍ عَلَى طَرِيقٍ بَعِيدٍ، تَنْكَسِرُ وَتَنْكَبِرُ بِفِعْلِ ظَاهِرَةٍ تُسَمَّى «الِانْحِنَاءَ الْجَوِّيَّ»، حِينَ يَتَطَبَّقُ هَوَاءٌ بَارِدٌ فَوْقَ هَوَاءٍ دَافِئٍ فَيَتَمَوَّجُ الضَّوْءُ كَالسَّرَابِ. وَيَبْدُو هَذَا تَفْسِيرًا عَقْلَانِيًّا... لَوْلَا التَّفَاصِيلَ الَّتِي لَا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ. فَالْأَضْوَاءَ وُثِّقَتْ قَبْلَ أَنْ تُوجَدَ الْمَصَابِيحُ وَالطُّرُقُ السَّرِيعَةُ. وَقَدْ رَصَدَهَا مُرَاقِبُونَ فِي لَيَالٍ غَائِمَةٍ لَا تَسْمَحُ بِأَيِّ انْكِسَارٍ لِضَوْءِ سَيَّارَةٍ. بَعْضُهَا تَصْعَدُ عَمُودِيًّا، وَبَعْضُهَا يَنْقَسِمُ إِلَى كُرَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبَعْضُهَا يُغَيِّرُ لَوْنَهُ بِسُرْعَةٍ لَا تَسْتَوْفِيهَا الْأَنْوَارُ الْمَكْتَنِفَةُ لِلطَّرِيقِ. وَهُنَاكَ مَنْ رَصَدَهَا وَهِيَ تَتَحَرَّكُ عَكْسَ اتِّجَاهِ الرِّيحِ، أَوْ تَظْهَرُ فِي أَمَاكِنَ لَا خَطَّ طَرِيقٍ فِيهَا أَصْلًا. لِذَا، تَتَشَعَّبُ النَّظَرِيَّاتُ إِلَى كُلِّ حَدٍّ. فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنِ اقْتَرَحَ أَنَّهَا «أ