Episode Details
Back to Episodesغادة عبد العال: كنسلة!
Description
من ضمن المصطلحات اللي استوردناها من الغرب، وطلعناها من الكرتونة، ورمينا كتالوج الاستعمال، مصطلح ”الكنسلة“. والكنسلة، لمن لا يعرف، مش معناها إن الناس تزعل منك، ولا إنهم يقولوا إن رأيك سخيف، ولا حتى إن اسمك يطلع تريند ويتعمل عليك ألف ميم. الكنسلة الحقيقية معناها إنك تدفع تمن مهني واجتماعي واضح بسبب رأي أو تصرف اعتبره المجتمع غير مقبول: شركات تفسخ تعاقداتها معاك، برامج توقف استضافتك، دور نشر تقاطعك، وفرص شغل تتقفل في وشك.
يعني بتتكنسل فعلا، مش بتروح تنام يومين لحد ما الدنيا تهدى، وبعدها ترجع في بودكاست جديد عنوانه: ”قصتي مع الاغتيال المعنوي“ .
عندنا بقى الموضوع مختلف. إحنا ما عندناش كنسلة بالمعنى الكامل، إحنا عندنا ”هوجة“. شخص مشهور يقول جملة مستفزة، الناس تمسك فيه يومين تلاتة، المواقع تجمع البوستات في خبر عنوانه ”تصريحات تشعل مواقع التواصل“، وبرنامج تليفزيوني يعمل فقرة عن الأزمة. وبعدها يظهر تريند جديد: خناقة في مطعم، فستان في مهرجان، طلاق اتنين مشاهير، أو عريس وقع من الكوشة، فتتحول أنظار الجماهير كلها إليه، ويخرج صاحبنا من تحت الأنقاض، ينفض هدومه، ويرجع يشتغل عادي جدا.
وأحيانا يرجع أشهر من الأول، لأن عندنا حتى الغضب إعلان مجاني.
ومع ذلك، أول ما شخصية عامة، أو شخص قرر بإرادته إنه يتكلم في المجال العام، يقول رأي سيئ أو متعالي أو غبي، ويلاقي الناس بترد عليه، يبدأ في الصراخ: ”ده اغتيال معنوي!“.
المشكلة إن بعض الناس عايزة مزايا الكلام في المجال العام من غير تكلفته. عايزة الشهرة والفلوس والمشاهدات والإعلانات والتأثير، لكن من غير ما حد يسأل: إنت قلت كده ليه؟ أو يرد: كلامك مش منطقي. هو عايز رأيه يبقى ”حرية تعبير“، ورأيك إنت في رأيه يبقى ”تنمر واغتيال معنوي“.
يعني الميكروفون حرية، لكن الكومنتات جريمة ضد الإنسانية؟.
وطبعًا فيه فرق بين النقد وبين الشتيمة، وفرق بين تفنيد كلام شخص وبين تهديده أو اقتحام حياته الخاصة أو مطاردة أسرته. إنك تنتقد رأي معلن شيء، وإنك تنشر عنوان بيت صاحبه أو صوره الخاصة أو تحرّض على إيذائه شيء تاني تمامًا. لكن خلط الاتنين ببعض بيخدم صاحب الرأي المتعدي، لأنه بدل ما يرد على النقد، يحول نفسه لضحية، ويحوّل كل اللي اختلفوا معاه إلى عصابة إلكترونية تستعد لإعدامه في ميدان عام.
الصوابية السياسية نفسها قابلة للنقاش، وأحيانا بتتحول فعلا إلى رقابة مبالغ فيها، أو محاولات لتطهير اللغة من أي خشونة أو تلقائية. لكن الاعتراض على المبالغة في الصوابية السياسية لا يعني منح حصانة لأي شخص يقول أي كلام، ثم يطالب الجميع بالتصفيق أيا كان رأيهم في اللي بيقوله..
من حقك تقول كلام ضد السائد، ومن حق الناس تقول إن كلامك جاهل أو مؤذي أو متناقض. كل ده جزء من النقاش العام، مش بالضرورة كنسلة.
المفارقة إننا في بلد الذاكرة الإلكترونية فيه لا تتجاوز عمر التريند، ومع ذلك كل واحد يتعرض للنقد لمدة تمانية وأربعين ساعة بيتصرف كأنه نجيب محفوظ وأخد سكينة في رقبته بناءا على كتاباته..
الحقيقة الأبسط هي: أنت لم تغتال معنويا. أنت بس سمعت للمرة الأولى رأي ناس مش عاجبهم كلامك. ودي، للأسف، من ضمن شروط استخدام الميكروفون.