Episode Details
Back to Episodesجمانة حداد: نحن في علاقتنا بالمستقبل.. كائنات متفائلة حتى عندما نزعم العكس
Description
نضع الخطط. ندرس. نعمل. نتعب. نغيّر وظائفنا وبيوتنا وبلداننا وأجسادنا. نبدأ من الصفر، أو من تحت الصفر أحياناً. نحبّ شخصاً ونقرّر أن نبني معه حياة. نترك شخصاً ونقرّر أن نبني حياة من دونه. نتمرّن، نتعلّم لغة جديدة، نكتب كتاباً، نؤسّس مشروعاً، نربي طفلاً، ونقنع أنفسنا، إلى حدّ بعيد، بأن الغد مادة قابلة للتشكيل.
طبعاً، لا نملك المستقبل. يستطيع المرض أن يدخل من دون استئذان، والحرب أن تقلب الطاولة، والموت أن يسخر من كل خططنا. لكننا، في الحد الأدنى، نستطيع أن نتفاوض مع الآتي. أن نقاوم احتمالاته. أن ندفعه قليلاً في الاتجاه الذي نريده. هناك مساحة، مهما ضاقت، بين ما سيحدث لنا وما نستطيع أن نفعله بما سيحدث.
أما الماضي، فديكتاتور. لا يتفاوض. حدث ما حدث، وانتهى الأمر. وهذه واحدة من أكثر الوقائع التي يصعب عليّ تقبّلها: لماذا أُعطينا بعض السلطة على ما لم يحدث بعد، ولم نُعطَ أي سلطة على ما حدث؟
لطالما تمنيت لو كان في وسعنا التأثير في الماضي أيضاً. لا محوه كله، بالطبع. ولا إعادة كتابة حياتنا بحيث تصبح نسخة نظيفة، معقّمة، خالية من الخسارات والأخطاء. ستكون حياة كهذه مملّة إلى حدّ الموت، وربما غير إنسانية أيضاً. لكن ماذا لو كان مسموحاً لنا بتعديل حدث واحد؟ جملة واحدة لم نقلها. باب واحد لم نفتحه. شخص واحد لم نلتقِه. سيارة لم نركبها. مكالمة أجريناها أو لم نجرها. خمس دقائق فقط نستطيع انتزاعها من الزمن وإعادتها إلى ورشة التصليح.
أعرف جيداً ما تقوله الحكمة في هذا الشأن. أعرف العبارة المحفوظة: تجاربنا صنعتنا. السيئة منها بقدر الجيدة. جراحنا علّمتنا. خساراتنا جعلتنا أكثر عمقاً. أخطاؤنا أوصلتنا إلى هنا.
حسناً...
ولكن ماذا لو لم نكن نريد أن نصل إلى "هنا" بهذه الطريقة؟ لماذا علينا دائماً أن نحوّل الألم إلى درس كي نعطيه شرعية؟ لماذا لا يحق لبعض الأشياء أن تكون ببساطة أشياء سيئة كان من الأفضل ألا تحدث؟
ثمة عنف خفي في تمجيد الجراح. ليست كل ندبة وساماً. وليست كل خسارة ضرورة تربوية. بعض ما كسرنا لم يجعلنا أقوى. جعلنا فقط أكثر ريبة. بعض ما عشناه لم يمنحنا الحكمة. منحنا الأرق. وبعض الذين فقدناهم لم يكن موتهم فصلاً ضرورياً في رواية نضجنا. كان موتهم موتاً، وكان غيابهم ظلماً، وانتهى.
ربما لهذا أتمنى أحياناً لو كان للماضي باب خلفي. شق صغير في جدار الزمن ندخل منه خلسة، لا لنصبح أشخاصاً آخرين، بل لننقذ شيئاً واحداً من أنفسنا.
أعرف أن هذا مستحيل. لكن الأمنيات لم تُخترع من أجل الممكن فقط. فيا ليتنا، مرة واحدة فقط، نستطيع أن نعود إلى الماضي خفيفين. ونغيّر ما لا يزال، حتى اليوم، يغيّرنا.