Episode Details
Back to Episodesعروب صبح : النساء في وجه القطار...
Description
نبيلة الحشوش ومريم جعجع...
في الأغوار الجنوبية، حيث تتشابك الأرض مع ذاكرة العائلات ومصدر رزق المزارعين وطعام الأردنيين، ظهر مشروع سكة حديد لنقل البوتاس من غور الصافي إلى العقبة بوصفه مشروعًا اقتصاديًا واستثماريًا كبيرًا. لكن المشروع حمل معه قضية أخرى: قرار استملاك نحو 3,499 دونمًا في غور الصافي وغور فيفا، تعود قرابة 60% منها إلى 76 عائلة، بحسب ورقة موقف أصدرتها مؤسسات المجتمع المدني.
هنا هبّت امرأتان استثنائيتان لتقفا بقوة وحزم أمام مؤسسة القرار الظالم ..
نبيلة الحشوش: صاحبة الأرض
ابنة المكان، مزارعة عاملة، وناشطة اجتماعية وعمالية، عرفت حياة الأغوار من داخلها. عُرفت منذ سنوات بنشاطها في غور الصافي ودفاعها عن حقوق العاملات والعمال، حتى أصبحت صوتًا معروفًا في المنطقة.
ولذلك فإن اعتراضها على مشروع السكة لا يبدو بالنسبة إليها معركة نظرية حول مخطط هندسي؛ إنها معركة على علاقة الإنسان بالأرض التي عاش عليها وعمل فيها آباؤه وأجداده.
ظهرت الحشوش في حديثها عن المشروع وهي تضع الحق في أبسط وأقوى صورة:
"هذه أراضينا وأراضي أجدادنا"
نبيلة لم تتحدث عن الأرض بوصفها عقارًا، بل بوصفها ذاكرة ومصدر رزق وهوية.
مريم جعجع: هاجس السيادة الغذائية
على يمين نبيلة تقف مريم جعجع، المديرة العامة للجمعية العربية لحماية الطبيعة، التي تبنت القضية من بوابة: البيئة، والزراعة، والسيادة الغذائية، وحقوق المجتمعات المحلية.
في لقاء مع اللجنة النيابية للبيئة، عرضت جعجع التحديات البيئية المتوقعة من مشروع سكة نقل البوتاس، وأكدت ضرورة مراعاة احتياجات المجتمعات المحلية في الأغوار الجنوبية.
وكان موقفها أكثر وضوحًا في حديثها عن أراضي المزارعين باعتبارها جزءًا من الثروة الوطنية والسيادة الغذائية. فالسؤال، في جوهره، ليس: هل نريد قطارًا أم لا؟ وإنما: هل يمكن أن نسمي المشروع تنمية إذا كان ثمنه إضعاف المجتمع الزراعي الذي ينتج الغذاء؟
المشكلة التي تطرحها الحشوش وجعجع، ومعهما المزارعون ومنظمات المجتمع المدني، هي كيف يُنفذ المشروع؟ وأين يمر؟ ومن يدفع ثمنه؟ وهل دُرست البدائل؟ وهل حصل أصحاب الأرض على المعلومات الكافية؟ وهل حُميت مصادر رزقهم؟
تكتسب هذه الأسئلة وزنًا أكبر لأن ورقة موقف مؤسسات المجتمع المدني أشارت إلى اختلافات بين المساحات الواردة في قرار الاستملاك وما ورد في دراسة الأثر البيئي، وإلى غياب مشاركة المجتمع المحلي في مراحل المشروع.
بل إن القضية تطورت لاحقًا إلى جدل حول مسار السكة نفسه؛ إذ ذكرت ورقة موقف حديثة أن مسار السكة نُقل إلى موقع جديد مع بقاء قرار استملاك الـ3,499 دونمًا!
الأولى تقول: هذه أرضنا.
والثانية تقول: هذه ثروة وطنية.
وبين الجملتين تتشكل قضية أكبر من مشروع سكة: ما معنى النفع العام؟
هل يكون نفعًا عامًا إذا أفاد شركة وأضر بالمزارع والمواطن؟ هل يصبح المشروع وطنيًا لمجرد أنه يحمل اسم التنمية؟ ومتى سيفهم المسؤول أن حماية الغذاء والأرض والمجتمع المحلي جزء أساسي من حسابات التنمية، لا عقبة أمامها؟
وهنا يصبح موقف نبيلة الحشوش ومريم جعجع مهمًا ليس فقط لأنهما تعارضان مشروعًا بعينه، وإنما لأنهما تذكراننا بأن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الكيلومترات التي يقطعها القطار، بل بعدد الناس الذين يستطيعون مواصلة حياتهم بكرامة بعد مروره.