Episode Details
Back to Episodesغادة عبد العال: جريمة اليوم
Description
صباح كل يوم، بنفتح عينينا، نمد إيدينا ناحية الموبايل، ونعمل ريفريش لصفحتنا على السوشيال ميديا. مش علشان نعرف درجة الحرارة كام، ولا نشوف فيلم الأسبوع، ولا حتى نطمن أصحابنا عملوا إيه امبارح. إحنا بنعمل ريفريش علشان نعرف: جريمة النهاردة إيه؟
مين قتل مين؟ مين خطف مين؟ مين ضرب مين؟ وهل الجريمة اتصورت بكاميرا مراقبة، ولا حد صادف إنه كان واقف في البلكونة وصورها بالموبايل؟ وهل الفيديو كامل، ولا الجزء اللي نزل منه كفاية علشان نصدر حكمنا، قبل ما نكون حتى عرفنا أسماء أطراف الواقعة إيه؟
زمان، وإحنا صغيرين، كانت كل جريدة فيها صفحة مخصوصة للحوادث، الواحد ممكن يقراها لو عنده فضول، أو يقفل الجريدة قبل ما يوصل لها ويكمل حياته عادي. وبعدها ظهرت جرايد كاملة متخصصة في الجرايم، يشتريها اللي مهتم بالنوعية دي من الأخبار، ويسيبها اللي مش عايز يبدأ يومه بتفاصيل جثة اتلقت في شوال.
دلوقتي بقى، السوشيال ميديا، اللي المفروض إنها مساحة أثيرية معمولة علشان نتواصل كبني آدمين، ونشارك صور أولادنا، وأكلنا، وسفرنا، تحولت لصفحة حوادث مفتوحة أربع وعشرين ساعة. وكلنا بقينا مراسلين حوادث، وكلنا بقينا شهود عيان، وخبراء أدلة جنائية، وأطباء نفسيين، ووكلاء نيابة، وقضاة. وأحيانًا جلادين.
لكن الحقيقة إن أكتر حاجة مرعبة في أخبار الجرايم مبقتش الجريمة نفسها. المرعب فعلًا هو التعليقات اللي تحتها. الناس اللي بتكتب بأسمائها وصورها وشخصياتها الاعتبارية بكل ثقة إن الضحية تستاهل. تستاهل تتضرب، تستاهل تتخطف، تستاهل تتعذب، وأحيانًا تستاهل القتل.
وطبعًا سبب الاستحقاق موجود دايمًا. لو الضحية من جنسية مختلفة يبقى (ماكلهم كده)، من ديانة مختلفة يبقى (استفز مشاعرنا الدينية)، لو ست، هنفتش في لبسها، وسبب وجودها في المكان. ولو راجل غني، نقول (أكيد فلوسه حرام). ولو فقير، نقول (أكيد داخل في سكة شمال). ولو له رأي سياسي أو فكري مختلف، تتحول الجريمة عند البعض إلى فرصة لتصفية حساب قديم: (مش ده اللي كان بيقول كذا؟ أهو شاف بقى).
وكأن الحق في الحياة بقى مش حق أصيل للإنسان، لكنه عضوية في نادي خاص، لازم الضحية تستوفي شروطه الأول. لكن ولو اختلفت عننا في أي بند، تسقط عنها الحصانة، ويبقى دمها مسألة قابلة للنقاش.
والمشكلة مش بس في تأثير الكلام على الضحية أو أهلها، لكن في تأثيره علينا إحنا. الاستهلاك اليومي للجرايم بيخلينا نفقد حساسيتنا بالتدريج. في الأول كنا بنصدم، بعدين بقينا نندهش، وبعدها اكتفينا بالتعليق، وقريبا يمكن نبقى محتاجين جريمة أبشع علشان نحس بأي حاجة أصلا. كأننا بنتفرج على مسلسل، مش حياة وموت ناس حقيقية.
يمكن السؤال اللي لازم نسأله الصبح مش: جريمة النهاردة إيه؟ لكن: الجريمة دي هتعمل فينا إيه؟ هل هتزود خوفنا؟ هل هتغذي كراهيتنا؟ هل هتخلينا نبرر العنف لمجرد إن الضحية مش شبهنا؟ ولا هنفتكر، ولو للحظة، إن العدالة مش معناها إننا نختار مين يستحقها، وإن التعاطف مش جائزة بنمنحها فقط للناس اللي على مقاسنا؟
لأن أخطر جريمة ممكن نصحى عليها يومًا، مش جريمة قتل جديدة، لكن خبر إننا، من كتر الفرجة والتعليق وإصدار الأحكام، فقدنا آخر جزء فينا كان لسه قادر يشوف الآخر إنسان..