Episode Details
Back to Episodesجمانة حداد: القليل الذي بقي
Description
"راح الكثير وبقي القليل".
جملة لطالما رددتها والدتي على مسامعي، ولا تزال ترددها، في ظروف شتى. كانت تقولها حين تعصف بي مرحلة صعبة، كأنها تمد لي جسراً فوق هاوية. وتقولها عندما يطول مرض أو يشتد وجع، لتعزّيني ولتقنعني بأن الجزء الأصعب صار خلفي، وبأن ما تبقى لن يكون إلا آخر المنحدر. لكنها ما فتئت ترددها، أولاً وخصوصاً وقبل كل شيء وبعد كل شيء، كلما دار الحديث على لبنان.
"راح الكثير وبقي القليل".
أي إن العاصفة، مهما اشتدت علينا، لا بد أن تتعب. وأن الحياة، مهما قست، لا تستطيع إلا أن تلين. وأن الأسوأ، بحكم المنطق، لا بد أن يكون قد مضى على هذه البلاد.
كبرت وأنا أريد أن أصدقها.
لكنني اليوم أجد نفسي أسألها، حتى لو لم أبح بالسؤال: أي كثير هو ذاك الذي مر يا أمي وأي قليل بقي؟ لماذا يبدو لنا، كل صباح، أن ما ينتظرنا أثقل وأصعب مما مضى؟ لماذا صار الأمس، بكل مآسيه، يبدو أقل فداحة من الغد الذي يطل علينا؟ كأننا نعيش في بلد لا يكتفي بأن يضيف جرحاً إلى جرح، بل يبتكر كل مرة طريقة جديدة للألم.
في لبنان، لم تعد الكوارث استثناءً، بل صارت الإيقاع اليومي للحياة. حرب تلد حرباً، ومصيبة تجر خلفها مصيبة، وخيبة تلد أخرى أكبر منها. حتى الذاكرة لم تعد قادرة على ترتيب المآسي بحسب أحجامها. هل كانت الحرب الأهلية أفدح؟ أم الانهيار المالي؟ أم تفجير المرفأ؟ أم النزوح؟ أم الحروب المتلاحقة؟ أم ذلك التآكل البطيء الذي يجعل الإنسان يستيقظ كل يوم ليكتشف أنه فقد شيئاً جديداً من روحه، من وطنه، من كرامته، ومن قدرته على الاحتمال؟
الأخطر من ذلك كله أن سقف توقعاتنا انخفض إلى حد صار فيه غياب المأساة إنجازاً. وهذه، في رأيي، هي الهزيمة الحقيقية: حين يصبح الخراب هو المعيار، ويغدو الطبيعي استثناءً.
مع ذلك، أرفض أن أتهم أمي بالسذاجة. هي تعرف لبنان أكثر مني. عاشت حروبه كلها تقريباً، ورأت ما يكفي ليحق لها أن تستسلم، لكنها لم تفعل. ربما هي لا تقصد أن الأسوأ قد انتهى فعلاً، بل تحاول أن تمنعني من أن أمنحه انتصاره الكامل. هي تقول: "راح الكثير وبقي القليل"، لا لأنها واثقة من المستقبل، بل لأنها تعرف أن الإنسان إذا اقتنع بأن لا نهاية للألم، توقف عن مقاومته.
لهذا قررت أن أترجم عبارتها، من الآن فصاعداً، بطريقة مختلفة: لا أن القليل هو ما بقي من الصعوبات، بل هو ما بقي لنا لنحميه: ما تبقى من قدرة على الدهشة، ومن كرامة، ومن حب، ومن ذاكرة، ومن رغبة في ألا يتحول الخراب إلى قدر. ذلك القليل هو ثروتنا الأخيرة. وإذا فرطنا به، فلن يكون قد راح الكثير فقط، بل سيكون كل شيء قد راح.