Episode Details

Back to Episodes

جمانة حداد: ليست ذكرى

Published 3 weeks, 6 days ago
Description

الرابع من آب ليس تاريخاً في لبنان. التاريخ ينتهي عندما ينتهي الحدث. ولا هو ذكرى، فالذكرى تنتمي الى الماضي. أما الرابع من آب، فما زال مستمراً. لم يغادر بيروت. يسكن في زجاجها الذي استُبدل، في بيوتها التي أُعيد ترميمها فيما بقيت أرواح أصحابها مهدّمة، وفي مدينة تعلمت، مرة أخرى، كيف تخفي نزيفها كي تتمكن من العيش.

في ذلك المساء لست سنوات خلت، لم ينفجر المرفأ وحده. انفجرت بقايا الثقة بين اللبنانيين ودولتهم. سقط الوهم بأن هناك سلطة تحمي مواطنيها، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، ونظاماً يرى الإنسان أكثر قيمة من المصالح والحصانات والتحالفات. 

ومنذ ذلك اليوم، لم يتوقف الانفجار. ما زال يتمدد في القضاء والسياسة كلما أُوقف تحقيق، وفي المجتمع كلما اضطر أهالي الضحايا إلى تذكير العالم بأن أبناءهم لم يموتوا بزلزال، ولا  بإعصار، ولا بقدر أعمى، بل هم قتلوا مرة أولى في جريمة كان يمكن منعها، ثم مرة ثانية عندما حُرموا من العدالة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من فجّر المرفأ؟ بل هو: كم انفجاراً يحتاج اللبنانيون كي يفهموا أن العدالة المؤجلة ليست عدالة، وأن الحقيقة التي تُفاوض عليها السياسة ليست حقيقة، وأن الوطن الذي يعجز عن محاسبة قتلة أبنائه وبناته ليس وطناً ناقص العدالة فقط، بل ناقص السيادة أيضاً.

ست سنوات مرت، وما زال اللبنانيون يحيون الذكرى كأنهم يزورون قبراً بلا شاهد. لكن، لن يسقط الرابع من آب بالتقادم. ليس لأن الذاكرة أقوى من الزمن، بل لأن الحقيقة تمتلك عناداً لا تمتلكه السلطة. يمكن تأجيلها، تشويهها، دفنها تحت الجلسات المؤجلة والخطب الرنانة والحسابات الطائفية، لكنها تعود دائماً، لأنها لا تطالب بشيء مستحيل. تطالب فقط بما يفترض أن يكون بديهياً في أي بلد يحترم نفسه: أن يُعرف من قَتَل، وأن يُحاسَب.

وحتى يحدث ذلك، سيبقى الرابع من آب امتحاناً أخلاقياً دائماً للدولة اللبنانية.

Listen Now

Love PodBriefly?

If you like Podbriefly.com, please consider donating to support the ongoing development.

Support Us