Episode Details
Back to Episodesجمانة حداد: أن نثق أو لا نثق
Description
يقال إن الثقة أساس كل علاقة، وإن الروابط الإنسانية لا تستقيم من دونها. وإن المجتمعات لا تُبنى إلا عليها. كل ذلك صحيح، لكنه ليس الحقيقة كلها. فالتاريخ أيضاً بُني على الخيانات، والإمبراطوريات لم تسقط بسبب نقص الحب، بل بسبب فائض الثقة. أكثر الجراح عمقاً لم يصنعها الأعداء، بل أولئك الذين منحناهم مفاتيح أبوابنا وأسرارنا، وأجزاءً من ذواتنا.
لهذا أجدني أميل إلى عبارة تبدو للوهلة الأولى متشائمة: من الجيد أن تمنح ثقتك، ولكن من الأفضل ألا تمنحها.
ليس لأن البشر أشرار. هذه رؤية كسولة. البشر، ببساطة، بشر. متقلبون، متناقضون، أسرى مصالحهم ومخاوفهم ورغباتهم. قد يحبونك اليوم ويخذلونك غداً، لا لأنهم خططوا لذلك، بل لأنهم تغيّروا. الإنسان ليس كائناً ثابتاً، فلماذا نتوقّع منه ثباتاً مطلقاً في ولائه أو مشاعره أو مواقفه؟
الثقة المطلقة ليست علامة نضج، بل أحياناً علامة تقاعس. إنها تعفيك من مراقبة الواقع، ومن مراجعة الأحكام، ومن الاعتراف بأن الأشياء تتبدل. عدم الثقة، بالمقابل، لا يعني الارتياب المرضي. لا يعني أن تعيش خلف متاريس، أو أن تفتش في هواتف من تحب، أو أن ترى مؤامرة في كل كلمة. إنه يعني فقط أن تحتفظ بمسافة صغيرة بين قلبك وأوهامك. أن تمنح الآخر فرصة لأن يكون جديراً بثقتك كل يوم، لا أن تمنحه صكاً أبدياً باسم الحب أو الصداقة أو القرابة.
الثقة ليست هدية تُمنح مرة واحدة، بل علاقة متحركة مع الواقع. واليوم الذي تتوقف فيه عن مساءلتها هو اليوم الذي تتحول فيه إلى سذاجة. ربما لهذا السبب تكون الخيانة دائماً صادمة. ليس لأنها استثناء، بل لأنها تفضح الوهم الذي بنيناه. نحن لا نتألم لأن الآخر خاننا فقط، بل لأن صورتنا عن العالم انهارت معه. كأننا نكتشف فجأة، ليس فقط أننا لم نكن نعرفه، بل أيضاً وخصوصاً أننا لم نكن نعرف أنفسنا.
قد يكون أجمل ما في الثقة أنها مخاطرة. لكن أجمل ما في النضج أن تعرف حدود تلك المخاطرة. ليس المطلوب أن نغلق أبوابنا، بل أن نتوقف عن تسليم مفاتيحها لمن لم يثبت بعد، ولمن لا يثبت كل يوم، أنه يستحقها.