Episode Details
Back to Episodesغادة عبد العال: حقيقة ولا حقيقة كأس العالم!
Description
من الحاجات القليلة جدا اللي لسه العالم كله تقريبا بيتفرج عليها في نفس الوقت هي كأس العالم لكرة القدم. ودي في حد ذاتها بقت حاجة نادرة جدا في الزمن اللي إحنا عايشين فيه.
زمان كان ممكن الناس كلها تتفرج على نفس نشرة الأخبار، أو نفس المسلسل، أو تقرأ نفس الجرنال الصبح، وبالتالي يبقى عندها، بشكل أو بآخر، تصور مشترك عن العالم اللي حواليها. دلوقتي كل واحد فينا عايش جوه عالم منفصل، عالم معمول مخصوص على مقاسه بواسطة الألجوريزم.
أنا ممكن أفتح فيسبوك ألاقي الدنيا كلها بتتكلم عن موضوع، وتفتح إنت فيسبوك في نفس اللحظة تكتشف إن الدنيا عندك مشغولة بحاجة تانية خالص. لكن كأس العالم، لفترة قصيرة كل أربع سنين، بيكسر الحواجز دي. فجأة ملايين، بل مليارات البشر، قاعدين قدام نفس الشاشة، بيتفرجوا على نفس الماتش، في نفس اللحظة، وشايفين نفس الجون ونفس الفاول ونفس الحكم وهو بياخد نفس القرار اللي نص العالم شايفه عادل والنص التاني شايفه مؤامرة كونية.
وطبعًا، زي أي حكاية كبيرة، كأس العالم بينتج حوالين نفسه آلاف الحكايات الصغيرة. حكايات عن اللاعبين، وأهاليهم، وبداياتهم، والصدف الغريبة اللي جمعت بينهم، وصور قديمة تظهر فجأة بعد عشرين سنة فتخلينا نقول: يا سبحان الله.
ومن ضمن الصور دي، ظهرت من فترة صورة تبدو وكأنها معمولة مخصوص عشان تثبت إن القدر أحيانًا عنده حس درامي أعلى من أي مؤلف: ليونيل ميسي، شاب صغير في بداية رحلته مع النجومية، يحمل بين إيديه طفلًا رضيعًا أثناء جلسة تصوير خيرية. وبعد سنوات طويلة نكتشف إن الطفل ده هو لامين يامال، طفل هيكبر ويبقى واحد من أهم نجوم الجيل اللي جاي بعده، بل إن تصاريف القدر هتخلي الطفل ده هو وزمايله ينهوا حلم ميسي في رفع كاس العالم للمرة الثانية على التوالي..
لو الصورة دي ظهرت من عشر سنين، كان أقصى رد فعل ممكن نعمله إننا نقول: يااااه، شوف الصدفة! ونشاركها ونحكي القصة وننبهر شوية بعبثية الحياة . لكن الصورة ظهرت في زمن الذكاء الاصطناعي. وعشان كده، بدل ما نقضي وقتنا منبهرين بالصدفة، قعد ناس كتير، وأنا منهم، فترة مش قادرين نصدق صورة حقيقية. لأنها كانت جميلة زيادة عن اللزوم. مثالية زيادة عن اللزوم. تشبه نوع الصور اللي الذكاء الاصطناعي بقى قادرًا على اختلاقها لنا كل يوم.
وهنا، في رأيي، تظهر المشكلة الحقيقية اللي إحنا داخلين عليها. مشكلة أكبر من فكرة إن الذكاء الاصطناعي ممكن يخلينا نصدق حاجات ما حصلتش. الخطر الأكبر: إن الذكاء الاصطناعي ممكن يخلينا ما نصدقش الحاجات اللي حصلت فعلًا.
وده يقربنا من حالة فوضى معلوماتية مختلفة تمامًا عن أي حاجة عرفناها قبل كده. زمان كانت مشكلتنا إن المعلومات قليلة، بعدين بقت مشكلتنا إن المعلومات كتير، ودلوقتي إحنا داخلين على مرحلة المشكلة فيها إن المعلومات موجودة، والأدلة موجودة، والصور موجودة، والفيديوهات موجودة، لكننا فقدنا القدرة على معرفة أي منها يستحق التصديق
مش يمكن قريب جدًا يبقى الذكاء الاصطناعي قادر يعمل لنا كأس عالم كامل موازي؟ نفس اللاعبين، نفس الملاعب، نفس المعلقين، لكن بنتايج مختلفة تمامًا. تقوم من النوم تلاقي خبر ان مصر كسبت البرازيل تلاتة صفر، وإنت شخصيًا كنت سهران امبارح وشايفها خسرت اتنين واحد. ويطلع لك فيديو للماتش اللي مصر كسبته. ماتش كامل، بجمهوره ومدرجاته وحكمه ومؤتمره الصحفي بعد المباراة.
ووقتها هيكون التحدي الحقيقي اللي مستنينا. مش إن الذكاء الاصطناعي هيبقى قادر يكذب علينا بشكل أحسن. لكن إن الحقيقة نفسها هتبقى مطالبة، لأول مرة، إنها تثبت إنها حقيقة.