Episode Details
Back to Episodesسناء العاجي الحنفي: حين تصبح كرة القدم دينا وسياسة وخرافة
Description
كرة القدم، في الأصل، لعبة. تسعون دقيقة من المتعة والتوتر والحماس، قد نربحها وقد نخسرها.
لكننا، للأسف، لا نسمح لها بأن تبقى كذلك. نحمّلها ما لا تحتمل، ونخلطها بالدين والسياسة والوطنية والخرافة والنضال والمؤامرة. تتحول المباراة إلى امتحان في الإيمان والانتماء والأخلاق والوطنية.
قبل كل مقابلة، يبدأ البعض في البحث عن الإشارات الغيبية: من ارتدى القميص نفسه الذي ارتداه في مباراة سابقة؟ من جلس في المكان نفسه؟ من نشر توقعاً متفائلاً "فجلب النحس" للفريق الذي يشجعه؟ وقد يصبح لاعب ما مسؤولاً عن الهزيمة لأنه قص شعره، أو لأن زوجته حضرت المباراة، أو لأن مشجعاً مشهوراً كتب تدوينة قبل صافرة البداية أو لأن مطربا أهدى أغنية للمنتخب.
ثم يدخل الدين إلى الملعب. إذا انتصر الفريق، قيل إن الله كافأنا لأننا نستحق ولأننا نسجد. وإذا انهزم، بحث البعض عن معصية أو مؤامرة أو نقص في الدعاء. وكأن الشعوب التي تفوز أكثر تديناً، وكأن الله يختار نتائج المباريات بحسب جنسيات اللاعبين والمشجعين وحسب انتماءاتهم الدينية.
أما السياسة، فتحوّل كل هزيمة إلى خيانة وطنية وتربط الكرة بالمزايدات النضالية والمواقف السياسية... ينسى البعض أن كرة القدم تقوم أساسا على التدريب والتخطيط والاستثمار والتركيز والقدرات الذهنية والخطط التكتيكية، وأيضا، أحيانا، على بعض الحظ وبعض أخطاء التحكيم، كما يحدث في كل مباريات كرة القدم. فإما أن نقبل بقواعد اللعبة، ونعترف بالخسارة، وإما أن نحول المباراة إلى مؤامرة يحيكها الكون ضدنا أو إلى تخوين وعنف رقمي ضد اللاعبين أو الحكام.
الأخطر أننا نطالب اللاعبين بأن يكونوا أبطالاً رياضيين، ورموزاً وطنية، ووعاظاً، وسفراء، ونماذج أخلاقية كاملة. لا نقبل منهم خطأً أو تصريحاً عفوياً أو حياة خاصة مختلفة عما نتصوره... بل قد لا نغفر لهم ابتسامة عابرة.
يمكن لكرة القدم أن تجمع الناس وتمنحهم الفرح، لكن ذلك لا يبرر تحويلها إلى عقيدة. لنشجع، ونصرخ، ونحزن، ونحتفل. لكن لنتذكر، بعد صافرة النهاية، أنها مباراة، لا معركة مقدسة، ولا رهانا في المواطنة، ولا استفتاءً سياسياً، ولا دليلاً على رضا السماء.