Episode Details
Back to Episodesهند الإرياني: مصر ليه؟
Description
لست من المهووسات بكرة القدم، ولا أتابعها بتاتًا، ولكنّني كنت مهتمّة بمتابعة الـ"ماتشات” التي شاركت فيها مصر. اشمعنا مصر؟
كان زوجي يحدّق في وجهي وأنا منفعلة ومشدوهة بمتابعة أوّل مباراة لمصر في كأس العالم. ضحك قائلاً: "لم أكن أعرف أنّك تحبّين كرة القدم!" بعد ذلك لاحظ أنّني لا أهتمّ بمتابعة بقيّة المباريات، ولا أنفعل، ولا يبدو عليّ الاهتمام. وقد أتابع جزءًا من المباراة ثمّ أذهب لأنام.
وعندما تابعت المباراة الأخيرة لمصر وصرخت من الفرحة عندما أدخلوا "الجول" الأوّل والثاني، قال لي: "يبدو أنّك تعتبرين مصر مثل بلدك الثاني، أليس كذلك؟"
نعم، أنا لا أهتمّ بكرة القدم، ولكنّني أحبّ مصر، وكنت أتابع المباريات فقط لكي أفرح بأنّ مصر وصلت إلى مستوى أعلى. هذا ما كان يهمّني. ولكن لماذا مصر بالذات؟
عندما كنت في عمر المراهقة وأسمع أغنية: "مصر هيّ أمّي، نيلها هو دمّي، شمسها في سماري…" كانت عيناي تدمعان، وكأنّ الأغنية تتحدّث عن بلدي أو بلد عشت فيه. لكنّني لم أعش أبدًا في مصر، ولكنّ كلّ شيء كان يزرع فينا حبّ مصر: المنهج الدراسيّ، والراديو، والتلفاز، والكتب، والروايات، والمجلات. كانت ثقافتنا ثقافة مصريّة خالصة. وهذا بالتأكيد له علاقة بدور جمال عبد الناصر في دعمه لثورة الجمهورية ضدّ حكم الإمامة في اليمن.
بعد ثورة 1962 ذهب الفنّانون المصريّون لزيارة اليمن، يغنّون عن الثورة ليثيروا حماسهم. ومن أشهر هذه الأغاني أغنية فائدة كامل "اليمن السعيد"، التي غنّتها باللهجة المصرية، وتقول كلماتها: "الأسود قاموا وثاروا، أعلنوها جمهورية، والطغاة راحوا وغاروا، وانتهوا بساعة عشية، واللي كان حلم وخيال قاموا بيه أشجع رجال… بالإرادة والعزيمة والجهاد في اليمن أشعلها ثورة عالفساد، ثورة اليمن السعيد". كنّا نسمع هذه الأنشودة في الإذاعة والتلفاز عدّة مرّات في اليوم الواحد.
كلّ ذلك بالتأكيد زرع فينا حبّ مصر. زرت مصر مرّة في طفولتي، ولا أزال أتذكّر أنّني كنت منبهرة بالأضواء في الليل وازدحام الشوارع، ومرّة ثانية وأنا في الثلاثين من عمري. شعرت وكأنّني أعرفها وعشت فيها. أنا أعرف أسماء هذه الشوارع، وقرأت عنها في الروايات والمجلات والجرائد، وأحفظ كلّ المناطق وكأنّني واحدة من أهل البلد، وأتحدّث باللهجة المصرية وكأنّها لهجتي. لم أشعر بالغربة ولو للحظة. وليست هذه تجربتي أنا فقط، هذا ما سمعته من الكثير من اليمنيّين.
لذلك لا تستغربوا من حماسنا لمباريات مصر، وأن نفرح لفرح المصريين، وأن نحزن لحزنهم بعد خسارة المباراة، فهذا شيء طبيعيّ جدًّا، ليس حبًّا في كرة القدم، ولكن حبًّا في مصر.