Episode Details
Back to Episodesجمانة حداد: "هل ما زلنا حقيقيين؟"
Description
كلما أرسلتْ إليّ خالتي المتقدمة في العمر، مصعوقةً، فيديو لطفل يقول أموراً لا يقولها إلا الكبار، وأتبعته بعبارة: "يا لهذا الجيل، كم هو أوعى من جيلنا يا خالتو!"، شعرتُ بشيء من الحزن. من الحزن عليها أولاً، لأني مهما شرحت لن تفهم الفرق بين الحقيقة والفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي، ومثلها ملايين البشر على الأرجح. وثانياً، لأننا ربما آخر جيل سوف يدرك هذا الفرق.
المفارقة أن الخطر لا يكمن في أن الناس سيصدقون الكذب، بل في أنهم سيتوقفون عن تصديق أي شيء. عندما يصبح كل فيديو قابلاً للتزييف، وكل صوت قابلاً للاستنساخ، وكل صورة قابلة للاختراع، لن يعود السؤال: "هل هذا حقيقي؟" بل: "لماذا أصدّق هذا أصلاً؟". وتلك هي المشكلة.
لطالما كانت الأكاذيب موجودة. لطالما فهمنا الدعاية، والبروباغندا، والتضليل، والفبركات، والشائعات. لكن الكذب كان يحتاج إلى جهد، وكان يحتاج، في المقابل، لدحضه، إلى صحافي يحقق، أو قاضٍ يدقق، أو شاهد يكذّب الرواية. أما اليوم، فالكذب أصبح ديمقراطياً. متاحاً للجميع. بضغطة زر، يستطيع أي شخص أن يضع الكلمات في فم أي إنسان، وأن يصنع حدثاً لم يقع، واعترافاً لم يحصل، الى آخره.
نحن لسنا أمام أزمة تكنولوجيا، بل أمام أزمة ثقة. الثقة هي المادة التي يقوم عليها كل شيء. فإذا انهارت، انهار النسيج الذي يجعل المجتمع ممكناً.
ولعل الأكثر إثارة للقلق أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق الأكاذيب فقط، بل يخلق أيضاً القدرة على إنكار الحقائق. غداً، عندما يظهر فيديو حقيقي لمسؤول يتلقى رشوة، أو لزعيم يحرض على القتل، سيكون الرد الجاهز: "هذا مولد بالذكاء الاصطناعي". سيصبح الكاذب محمياً بسهولة الكذب نفسه. أي أننا لا نخسر الحقيقة فقط، بل نخسر إمكانية إثباتها.
ربما لهذا السبب أشعر بالحزن. ليس فقط لأن خالتي تعيش في الماضي، بل أيضاً وخصوصاً لأننا نقف على حافة مستقبل مخيف. هي على الأقل ما زالت تؤمن بأن ما تراه بعينيها هو الواقع. أما أولاد أحفادها، فسوف يكبرون في عالم يتعلمون فيه منذ طفولتهم بأن يشككوا في كل شيء.
قد يكون هذا هو التحدي الأخلاقي الأكبر في القرن الحادي والعشرين. ليس أن نصنع آلات أذكى، بل أن نحافظ على بشر قادرين على التمييز.
لأني أخاف أكثر ما أخاف ألا يصبح السؤال: هل هذا الفيديو حقيقي؟
بل: هل نحن ما زلنا حقيقيين؟